سيد محمد طنطاوي
376
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
* ( الْقُدُّوسِ ) * أي : البليغ في الطهارة وفي التنزه عن كل نقص ، من القدس - بضم القاف وسكون الدال - بمعنى الطهر ، وأصله القدس - بفتح القاف والدال - وهو الإناء الذي يكون فيه ما يتطهر به ، ومنه القادوس وهو إناء معروف . * ( الْعَزِيزِ ) * الذي لا يغلبه غالب * ( الْحَكِيمِ ) * في كل أقواله وأفعاله وتصرفاته . هذا ، ومن الآيات الكثيرة الدالة على أن جميع من في السماوات ومن في الأرض ، يسبحون للَّه - تعالى - قوله - عز وجل - : تُسَبِّحُ لَه السَّماواتُ السَّبْعُ والأَرْضُ ومَنْ فِيهِنَّ ، وإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِه ولكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ، إِنَّه كانَ حَلِيماً غَفُوراً . . « 1 » . ثم بين - سبحانه - جانبا من مظاهر فضله على خلقه ، فقال : * ( هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ ، يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِه ، ويُزَكِّيهِمْ ويُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ والْحِكْمَةَ . . . ) * . وقوله : * ( الأُمِّيِّينَ ) * جمع أمي ، وهو صفة لموصوف محذوف . أي : في الناس أو في القوم الأميين ، والمراد بهم العرب ، لأن معظمهم كانوا لا يعرفون القراءة والكتابة . وسمى من لا يعرف القراءة والكتابة بالأمى ، لغلبة الأمية عليه ، حتى لكأن حاله بعد تقدمه في السن ، كحاله يوم ولدته أمه في عدم معرفته للقراءة والكتابة . و « من » في قوله - تعالى - : * ( مِنْهُمْ ) * للتبعيض ، باعتبار أنه واحد منهم ، ويشاركهم في بعض صفاتهم وهي الأمية . وقوله : * ( يَتْلُوا . . . ) * من التلاوة ، وهي القراءة المتتابعة المرتلة ، التي يكون بعضها تلو بعض . وقوله : * ( ويُزَكِّيهِمْ ) * من التزكية بمعنى التطهير والتنقية من السوء والقبائح . والمراد بالكتاب : القرآن ، والمراد بتعليمه : بيان معانيه وحقائقه ، وشرح أحكامه وأوامره ونواهيه . . والمراد بالحكمة : العلم النافع ، المصحوب بالعمل الصالح ، وفي وضعها إلى جانب الكتاب إشارة إلى أن المقصود بها السنة النبوية المطهرة ، إذ بالكتاب وبالسنة ، يعرف الناس أصلح الأقوال والأفعال ، وأعدل الأحكام وأقوم الآداب ، وأسمى الفضائل . . أي : هو - سبحانه - وحده ، الذي * ( بَعَثَ ) * بفضله وكرمه ، * ( فِي ) * العرب * ( الأُمِّيِّينَ رَسُولًا ) * كريما عظيما ، كائنا * ( مِنْهُمْ ) * أي : من جنسهم يعرفون حسبه ونسبه وخلقه . . هذا
--> ( 1 ) سورة الإسراء آية 44 .